خليل الصفدي
18
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ثلاث مائة مجلّدة ؛ وكان قوّالا بالحق نهّاء عن المنكر ذا سطوة وإقدام وعدم مداراة . ومسائله المفردة يحتج لها بالقرآن والحديث أو بالقياس ويبرهنها ويناظر عليها وينقل فيها الخلاف ويطيل البحث أسوة من تقدمه من الأئمّة فإن كان أخطأ فله أجر واحد وإن كان أصاب فله أجران . وكان أبيض أسود الرأس واللحية قليل الشيب ، شعره إلى شحمة أذنيه ، كأن عينيه لسانان ناطقان ، ربعة من الرجال ، بعيد ما بين المنكبين ، جهوريّ الصوت فصيح اللسان سريع القراءة تعتريه حدة ثمّ يقهرها بحلم وصفح ؛ توفي محبوسا في قلعة دمشق على مسألة الزيارة ؛ وكانت جنازته عظيمة إلى الغاية ، ودفن في مقابر الصوفية ، صلّى عليه الشيخ علاء الدين قاضي القضاة القونوي ولم يصلّ عليه جمال الدين بن جمله . انتهى كلام الشيخ شمس الدين . قلت : رحمهم اللّه أجمعين ، هم الآن قد رأوا عين اليقين ، فيما كانوا فيه يختلفون ، وما أظنه رأى مثله في الحافظة والاطلاع وأرى أن مادته كانت من كلام ابن حزم حتى شناعه على من خالفه ، وكان مغرى بسبّ ابن عربي محيي الدين والعفيف التلمساني وابن سبعين وغيرهم من الذين ينخرطون في سلكهم وربما صرح بسب الغزالي وقال : هو قلاووز « 1 » الفلاسفة ، أو قال ذلك عن الإمام فخر الدين . سمعته يقول : الغزالي في بعض كتبه يقول : « الروح من أمر ربي » وفي بعضها يدسّ كلام الفلاسفة ورأيهم فيها ؛ وكذلك الإمام فخر الدين الرازي كان كثير الحطّ عليه ؛ وكان مسلطا على هؤلاء الفقراء الأحمدية واليونسية والقرندلية وغيرهم من هؤلاء المبتدعة . حكي لي أنه جاء إليه بعض الأحمدية وقال ما يقولونه على العادة في دخول التنور من بعد ثلاثة أيام وقود النار فيه فقال له : أنا ما أكلّفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوّافة في ذقنك ، فجزع ذلك الفقير وأبلس . قلت : وقد نقل الشيخ رحمه اللّه تعالى هذا من قول بعض الشعراء في النار التي يزعم النصارى أنها تنزل يوم سبت النور من السماء إلى القمامة بالقدس :
--> ( 1 ) قلاووز : لفظة تركية بمعنى « قائد » وهي هنا للتهكم .